الأحد، 3 مارس 2013

اقتباسات من "المصباح السحري" لإنجمار برجمان (سيرة ذاتية)

المصباح السحري
إنجمار برجمان 
منشورات وزارة الثقافة بسوريا، 1994


ارتبطت نشأتنا بمفاهيم الخطيئة والإعتراف والعقاب والغفران وصلاة المائدة.. عوامل قاسية حكمت العلاقات بين الأبناء والآباء والله. كان ثمة منطق فطري في كل ما نتلقاه ونعتقد أننا فهمناه، وربما ساهمت هذه الحقيقة في تقبلنا المدهش للنازية. لم تكن قد سمعنا بالحرية ولم نذق طعمها أبدًا.. ففي النظام الكهنوتي تكون الأبواب موصدة تمامًا. لهذا كان العقاب أمرًا بديهيًا لا يجوز التساؤل بصدده. أحيانًا يكون سريعًا وبسيطًا مثل صفعة على الوجه او ضربة على المؤخرة، وأحيانًا أُخرى يكون بالغ التعقيد ومتوارثًا عبر الأجيال.
*
أعتقد أن أحوالي تحسنت عندما أصبحت كاذبًا، وأوجدت شخصًا إضافيًا في داخلي لا يشترك مع حقيقتي إلا بالشيء القليل، بعدها لم أتمكن من الفصل بين ذاتي وهذا الشخص، الأمر الذي ترك أضرارًا لاحقة على حياتي وإبداعي في مرحلة النضج. أحيانًا أكون مضطرًا إلى مواساة نفسي بحقيقة أن الإنسان الذي عاش كذبة يُحب الحقيقة.

*
حاولت أن أنتقم من صديقي السابق الذي أفشى سري فسرقت سكين شقيقي وطاردته وهو يفرّ أمامي ويدور حول بناء المدرسة، وعندما القت المعلمة بنفسها لتفصل بيننا حاولت أن أقتلها.
*
أذكر أنني لم أستوعب مفهوم الزمن.. قيل لي: “يجب أن تتعلم كيف تكون دقيقًا في مواعيدك، لقد أعطيت ساعة يد ويجب أن تخبر الوقت بدقة”. لكن الزمن يتوقف بالنسبة لي، شيء ما يُخبرني أني جائع، وسرعان ما يحدث شجار.
*
كان يصعب تمييز الخيال عن الحقيقة، فعلت كل ما بوسعي وربما كان من الممكن الإبقاء على الواقع كحقيقة. ولكن ماذا أفعل بالأشباح والأطياف وقصص البطولة القديمة؟! أهي حقيقة؟ الرب والملائكة؟ المسيح؟ آدم وحواء؟ الطوفان؟ وحقيقة ما حدث بين إبراهيم واسحاق؟ هل كان إبراهيم سيُذبح حقًا؟ وأنظر برعب فأتعرف على اسحاق في نفسي، هذه كانت الحقيقة. الأب يريد أن يجز عنق انجمار.. ماذا سيحدث لو تأخر الملاك؟ سوف يبكون، ويسيل الدم، وانجمار يبتسم بكآبة.. إنها الحقيقة.
*
أنا لا أُشارك في الدراما أبدًا بل أحولها وأجعلها صلبة، والأهم من ذلك كله أنني لا أملك حيزًا لعُقدي الذاتية، ولكن مفاتيح لأسرار النص والسيطرة على نبضات إبداع الممثل. أكره الشغب والعدوانية والعواطف المتفجرة بلا حساب. إن البروفات التي أُجريها بمثابة عمليات للمقدمات واستعداد للهدف حيث يجب أن يسود النظام الذاتي والنظافة والهدوء. إن البروفات عمل لائق وليس معالجة خصوصية للمنتج أو الممثل.
*
قالت لي: “الشيء الوحيد الممل فيك يا انجمار برجمان هو ولعك بالأشياء الصحيحة والمفيدة. يجب أن تتخلف عن هذا الولع فهو ولعك وهم مشكوك به، وسوف يخلق أمامك عقبات لن تجرؤ على تجاوزها. بجب أن تتصرف كالدكتور فاوست عند توماس مان، وتبحث عن عاهرة مصابة بالسفلس”.
*
الصبر والمرح، الضحك عوضًا عن الشجار، هكذا تمضي الأمور على نحو أسرع لكنها تبقى مؤلمة.
**
إن العالم يهتز ويتداعى ونحن نغمغم بفضول داخل الحيطان السميكة لهذا البناء. إنه عالم صغير من الفوضى المزعجة، من الصناعة، من المهارة والحب. وهذا كل ما نعرفه.
**
لم يكن قراري بالتخلي عن الكاميرا السينمائية مأساويًا، وقد خلصت إليه بعد العمل على فيلم (فاني وألكسندر). ولا أدري إن كان جسدي يتحكم بروحي أم أن روحي تؤثر على جسدي، لكنني وجدت شيئًا فشيئًا أنه بات من الصعب جدًا التغلب على حالة الإرهاق الجسدي التي أصابتني.
…. ومع الإرهاق أصبحت أكثر تحذلقًا وتذمرًا ومللاً، واحتدت مشاعري فصرت أرى الأخطاء في كل مكان.
**
… وعلى مدى السنوات علَّمت نفسي أن أتحكم بهذه المتاعب بحيث أستطيع الاستمرار بالعمل دون أن يبدو عليَّ أي إضطراب. كان الأمر يشبه إيواء شيطان شرير في أكثر مناطق الجسد حساسية.. وبواسطة أنظمة صارمة كان يمكن السيطرة على هذا الشيطان وكانت قواه تتقلص بدرجة ملحوظة عندما كنت أقرر أنا بنفسي، وليس هو، ماذا يجب عليَّ أن أفعل؟.
**
… في بعض الأحيان ألاحظه بوضوح، وأراه متجسدًا، هذا المخلوق الذي نصفه وحش ونصفه الآخر إنسان، والذي يتحرك في أعماقي وأوشك أنا على ولادته. لقد قررت أن أتقاعد قبل أن يرى الممثلون ومن يعملون معي هذا المخلوق المُرعب، فينظرون إليّ بنفور أو بشفقة. لقد رأيت عددًا كبيرًا من زملائي يسقطون في الحلبة مثل مهرجين مرهقين، بانوا يشعرون بالسأم من بلادتهم، وقد قتلهم صمت الآخرين اللبق أو استهجانهم، فدفع بهم بعيدًا عن الأضواء بأيدٍ لطيفة أو قاسية.
**

إن الإبداع في الشيخوخة أمر غير مضمون، ولكنه مشروط ومرحلي، ويكاد يُشبه إلى حد كبير عملية جنسية منحطة.
**

عندما لا يكون الفيلم وثائقيًا فإنه حلم.. ولهذا فإن تاركوفسكي هو أعظمهم على الإطلاق. إنه يتحرك بحرية مطلقة في عوالم الأحلام دون ان يقدم شروحات. وماذا عليه أن يشرح أساسًا؟ إنه قادر على إخراج رؤياه بطريقة غير شائعة، لكنها في متناول الجميع. كل حياتي أمضيتها وأنا أدق أبواب الغرف التي كان تاركوفسكس يتحرك داخلها بحرية وطبيعية، وقد استطعت  أن أدخل إليها أحيانًا، لكن معظم جهودي الواعية انتهت إلى فشل محرج، كما حدث في أفلام (بيضة الثعبان) و (اللمسة) و (وجهًا لوجه) وغيرها.
كذلك يتحرك فيلليني وكوروساوا وبونويل في العوالم نفسها مثل تاركوفسكي. أما انطونيوني فكان في طريقه إلى ذلك لكنه انتهى وتعقد نتيجة ملله الذاتي. أما ميليس فكان حاضرًا هناك على الدوام، فهو ساحر بمهنته.
الفيلم كالحلم، الفيلم كالموسيقى.. لا يوجد أي نوع من الفنون له قدرة الفيلم على النفاذ إلى ما وراء الإدراك العادي وملامسة العواطف في أعماق الروح. ارتعاش في عصب العين، أثر الصدمة: أربعة وعشرين لقطة مضاءة في الثانية يفصل بين كل واحدة منها خط أسود لا تستطيع العين التقاطه.
عندما أمرر شريط الفيلم لقطة لقطة على طاولة المونتاج ينتابني إحساس السحر الذي كان يراودني في طفولتي، في عتمة خزانة الثياب وأنا أدير ببطء لقطة وراء لقطة، فأرصد كل التغيرات التي تحدث، وما أن أدبر الآلة بسرعة حتى أرى الحركة.
ظلال الأشخاص الصامتين أو المتكلمين تتحرك دون مراوغة تجاه أكثر غرفي سرية، رائحة المعدن الساخن، الصور المرتعشة، خشخشة الصليب المالطي، ويدي التي تمسك بمقبض الباب.
**

)يتحدث بيرجمان عن حبه الأول): كان حبًا فوريًا وصاعقًا –تمامًا مثل روميو وجوليت- مع فارق وحيد بأننا لم نفكر في أن يلمس أحدنا الآخر، أو حتى يقبله.
**
مُحدثًا حبيبته الأولى: ” إن الموت مخيف لا تعرفين ماذا سيأتي بعده. أما تلك القصور التي تحدث المسيح عنها فأنا لا أؤمن بها. شكرًا، إنها ليست لي. إن الموت رعب لا مفر منه، ليس لأنه يؤلم، بل لأنه ملئ بأحلام موحشة لا يستطيع أحد أن يستيقظ منها.”
**

مرة أو مرتين في حياتي كلها روادتني فكرة الانتحار، وفي شبابي أقدمت على محاولة فاشلة، لكنني لم أنظر إليها بجدية. لقد كان فضولي عظيمًا وحبي للحياة قويًا وخوفي من الموت لا يتزعزع.
ومع ذلك فإن موقفي من الحياة يفترض وجود سيطرة مستمرة ولائقة على العلاقة بالواقع والتخيلات والأحلام. وعندما كانت تتعطل هذه السيطرة –وهو أمر لم يحدث لي من قبل حتى في طفولتي المبكرة- كانت انظمتي تصاب بالخلل وتتعرض هويتي للخطر، فأسمع صوت أنيني يشبه كلب جريح، نهضت من الكرسي وكنت على وشك أن أُلقي بنفسي من النافذة.
**

ياللجحيم! كيف بإمكاني أن أحصل على امرأة؟ أية امرأة؟ كان الجميع يتدبرون أمورهم ما عداي. أنا الذي كنت أمارس العادة السرية، أنا الشاحب، المتعرق، صاحب الهالات الزرقاء حول العينين، الضعيف القدرة على التركيز.
إلى جانب كل هذا، كنت نحيلاً، منكس الرأس، سريع الغضب، البادئ بالصراخ والشجار، سئ العلامات بالمدرسة ومتورم الأُذنين من العقاب.
لقد كانت السينما والمسرح هما ملاذيّ الوحيدين.
**

أكاد لا أتعرف على هذا الإنسان الذي كنته قبل أربعين عامًا، كانت محنتي عميقة وآلية القمع عندي تعمل بشكل فعال جدًا، وبصعوبة بالغة أستطيع الآن استحضار صور تلك المرحلة. عندما كنت أشعر بالخطر كنت أعض مثل كلب خائف. لم أثق بأحد ولم أحب أحدًا ولم أشتق إلى أحد. استحوذ الجنس علىَّ فكان يدفعني إلى خيانات دائمة وكانت تعذبني الرغبة والخوف والألم والإحساس بالذنب.
متحدثًا عن زوجته “غان”: كانت غان نموذجًا للعديد من النساء في أفلامي: كارين لوبيليوس في (انتظار النساء) آغذا في (الليلة العارية) ماريان في (درس في الحب) سوزان في (رحلة إلى الخريف) ديزير أرمفلد في (ابتسامات ليلة صيف (
وجدت مثيلة لشخصية غان في إيفا دالبك التي لا يمكن مقارنتها بأحد. فكلتا المرأتين استطاعتا تجسيد نصوصي الغامضة والتعبير عن حالات من الأنوثة التي لا تقهر، بطريقة لم أجرؤ على تخيلها قط.
**

إن تاركوفسكي يحرك كاميرته باستمرار في كل مشهد ويطير بها في كل اتجاه. كنت أعتقد أنها تقنية كريهة لكنها ستحل جميع مشاكلي.
**

أنا لا أؤمن بالله، وأعرف أن الأمر ليس بهذه السهولة فكل منا يحمل إلهًا في داخله.
**

عندما كنت صغيرًا وأنام جيدًا كانت تعذبني أحلام بغيضة: جرائم، تعذيب جسدي، اختناق، سفاح القربى، تدمير، غضب أهوج، أما اليوم ومع تقدمي بالسن فإن أحلامي تغيب عن ذاكرتي ولا أحتفظ عنها إلا بانطباعات ودودة ومريحة.
**

أحيانًا أحلم بإنتاج ضخم يضم مجاميع هائلة من الناس مع موسيقى ومشاهد ملونة، وأهمس لنفسي وقد تملكها إحساس بالرضى المطلق “هذا إنتاجي، وأنا الذي أبدعته”.
**

أشعر بأن الأشباح والشياطين ومخلوقات أخرى مجهولة الأسماء والعناوين لا تزال تحوم حولي منذ الطفولة.
**

لا يموت الإنسان نهائيًا ويبقى الميت ليزعج الأحياء.
**

الأشباح والشياطين، الأخيار منهم والأشرار يظهرون أمامي، يدفعونني، يثقبون خصيتي وينزعون قميضي. إنهم يتحدثون ويتهامسون. أصواتهم واضحة، كلماتهم غير مفهومة ولكن لا يمكن تجاهلها.
**

طول حياتي كنت أصارع العلاقة المعذبة مع الله. الإيمان ونقص الإيمان، العقاب، النعمة الإلهية والنكران، كل هذا كان حقيقيًا وإلزاميًا بالنسبة لي، وكانت صلواتي تفوح بروائح الألم والتضرع والثقة والكراهية واليأس. لقد تحدث الله.. لم يتحدث الله.. لا تشح بوجهك عنّي.
.. لقد ولدت دون سبب وتعيش بلا مغزى، العيش يمثل مغزاه الخاص، وعندما تموت فإنك تنطفئ وتسدد دنيا وسوف تتحول من كونك أنت إلى اللاشيء. إن الله لا يقيم بالضرورة وسط ذراتنا ذات الطابع الهوائي.
هذا التبصر حمل معه شيئًا من الطمأنينة التي قضت على إحساسي بالألم والاضطراب، ومن ناحية أخرى فإنني لم أنكر أبدًا حياتي الثانية (أو الأولى)، حياة الروح.
**

إن المستحيل مغرِ ولا يوجد لدي ما أخسره.
**

أنا مخلص للغاية لكنني مرتاب جدًا، وإذا فكرت بأن احدًا خانني فإنني أرد له الخيانة بسرعة، وإذا قاطعني أحد أُقاطعه فورًا. إنها موهبة مشكوك بأمرها وذات طابع برجماتي بحت.
**

خيرني أوسكار “الكاهن” بين سماع موعظة او لعب جنازة حيث كان يختفظ بنعش طفل صغير في خزانة الثياب، فقلت له أننلا لا أؤمن بالله، فحك رأسه وقال إن وجود الله مُثبت علميًا، وسرعان ما تشاجرنا، وكان أقوى مني فأمسك بذراعي ولواها وطالبني بالاعتراف بوجود الله، أحجمت عن طلب المساعدة، فمن المحتمل أن يكون أوسكار مجنونًا ولا يمكن التنبؤ بما سيفعل، واتعرفت انني أؤمن بوجود الله. بعد اعترافي جلس كل مكنا عابسًا في أحد زوايا الغرفة، ثم قلنا وداعًا وافترقنا.

الاثنين، 14 يناير 2013

اللص والكلاب

رواية: اللص والكلاب
المؤلف: نجيب محفوظ
ب. النشر: مكتبة مصر
التقييم: 5/5

* * *

بطل الرواية سعيد مهران
"ما حياته إلا امتداد لأفكار هذ الرجل.."
وهذا الرجل هو رءوف علوان: "الحقيقة العارية، جثة عفنة لا يواريها تراب، أما الآخر فقد مضى كأمس أو كأول يوم في التاريخ أو كحُب نبوية أو كولاء عليش. أنت لا تنخدع بالمظاهر فالكلام الطيِّب مَكر والابتسامة شفة تتقلص والجود حركة دفاع من أنامل اليد ولولا الحياء ما أذن لك بتجاوز العتبة. تخلقني ثم ترتد، تغير بكل بساطة فكرك بعد أن تجسد في شخصي، كي أجد نفسي ضائعًا بلا أصل وبلا قيمة وبلا أمل، خيانة لئيمة لو اندك المقطم عليها دكًا ما شُفِيَت نفسي.."
رءوف علوان..
هو الخدعة والخيانة في حياة سعيد مهران، سعيد الذي هرب واختبئ من أجل الانتقام، لكنه للآسف فشل، فشل في الانتقام من مثله الأعلى، مِن مَن دفعه دفعًا إلى الجريمة ثم تنصل منه، من قال له "المسدس أهم من الرغيف يا سعيد، المسدس أهم من حلقة الذِكر التي تجري إليها.." .. يتحول سعيد طول الرواية إلى شخص مطارد، يعترف في منتصف الأحداث "أنا الشيطان نفسه"

أحداث الرواية تُحكي من طرفان منسجمان تمامًا (المؤلف، وبطل الرواية سعيد مهران).. المؤلف يسرد لنا حركة وسير الأحداث وطبيعة الحاضر، ثم يتخلل السرد -ودون انزار مُسبق-حديث سعيد بينه وبين نفسه ورؤيته للأحداث المحيطة به وكلماته الانتقامية التي كان من الجيد أن اسمعها من سعيد بنفسه لا من راوي الأحداث.

باقي شخصيات الرواية (بخلاف رءوف):
(الشيخ علي الجنيدي، نور، عليش، نبوية، سناء، المعلم طرزان.. وبعض الشخصيات الثانوية مثل صبي المعلم طرزان، أبو سعيد وأمه، والشخصان اللذان قتلهما خطأ).

الرموز في الشخصيات جليِّة جدًا.. الدين، الشهوة، الخيانة، رفض المجتمع، العبث.. كلها معانِ تجسدت في هؤلاء الشخوص وجميعهم كانوا مُسخرين من أجل سعيد ومن أجل سير الأحداث بهذا الشكل.. منهم من يمثل ماضي سعيد مهران، ومنهم حاضره، ومنهم قدره وحظه العاثر..
الحوار الحقيقي في الرواية ما كان يدور بين (سعيد والشيخ علي)، وبين (سعيد ونفسه).. لم أجد حواراته مع نور مُجدية أو بها جديد. كانت نور -عشيقته- هي أمله الوحيد في البقاء الاستمرار فيما يخطط له، كانت سنده، وكانت حائط مهم يتكئ عليه بعد كُل عثرة، لكنه لم يكن يُطلعها على ما يخطط له، حتى مشاعره تجاهها كان بخيل فيها -إلا من بعض الكلمات القليلة المُسكِنة- لذلك لم أتعجب من اختفائها غير المفهوم في نهاية الاحداث عندما تركته وحيدًا، وربما لم تكن شخصية حقيقية بالفعل.

مشكلة سعيد مهران أنه مضطرب أمام الأخلاقيات، بمعنى أنه لا يجد حرج من كونه حرامي، ومن كونه يمارس الزنى دون حرج، وتفكيره في القتل والانتقام بلا مباله..إلخ. حقيقته لا تصدمه ولا تُنغص عليه، لكن أفعال الآخرين هي ما كانت تُربكه حقًا.. الخيانة قتلته، ذبحته، والخيانة فعل قبيح لا يقل قُبحًا عن القتل والسرقة.. حتى أنه عندما قتل شخصان عن طريق الخطأ لم يأسف لهما، لكنه أسف على حاله، على كونه أخطأ ولم يُصيب الهدف .. ورغم ذلك عندما يغط في النوم يحلم بأنه يجلد نفسه في السجن. شعوره بالذنب على كل ما فعل لا يظهر بشكل صريح، يعافر، يرفض هذا الشعور بشدة، لا يُجاهرنا به، لكنه يتجلى في لاوعيه كما يظهر بشكل خبيث ومبتور بين السطور.. "قلبك المحترق يحن إلى الظل ولكن يمعن في السير تحت قذائف الشمس" هكذا قال له الشيخ علي.
وعندما شعر أن نور بدأت تلاوعه في الكلام وتكذب عليه أخبرها "لا تكذبي، إن من يعاني الظلمة والوحدة والانتظار لا يطيق الكذب"..
وعندما استرجع ذكرياته مع رءوف علوان "غلبته المرارة بعد اليأس فلم يعد يُبالي شيئًا... ثم قال فيما يُشبه التحدي: ما أجمل أن ينصحنا الأغنياء بالفقر.."
وعندما نكرته ابنته ونفرت منه وابتعدت عنه شعر بالغربة الحقيقية، رأى بعينه رفض المجتمع والعالم كله له في حركتها العصبية وهي بين يديه.

هاجس الموت كان له عامل مؤثر في شخصية سعيد، سعيد في نهاية الأحداث -ورغم مقاومته طول فترة هروبه- استسلم للشرطة بعد أن حاصرته وانتهى به الحال إلى الهزيمة واللامبالاة.. في فترة الاختفاء كان يسكن مع نور في منزلها بالقرافة، كان يرى الموت في كل لحظة، الموت ساكن خامد.. الموت جاء صباحًا في نعش جديد وجثة جديدة ستُدفن.. كل هذا انعكس سلبًا عليه، شعر بالوحدة والانقباض، كان على أثر ذلك يهرب من المنزل -رغم خطورة الهروب- ويعود ليواجهه الوحدة والموت وصور قتلاه مرة أُخرى.. "لكي يكون للحياة معنى وللموت معنى يجب أن اقتلك.. لتكن أخر غضبة أطلقها على شر هذا العالم، وكل راقد في القرافة تحت النافذة يؤذيني، ولأترك تفسير اللغز للشيخ علي الجنيدي" هكذا قالها بصراحة وثقة.

أشرت في السابق إلى الرمزية  التي استعملها محفوظ مع أبطال الرواية، وتفسير الاقتباس الأخير يُبرهن لنا إلام يقصد محفوظ بشخصية (الشيخ علي الجنيدي).. الشيخ علي الذي لم يُعنف سعيد في النهاية بعد أن ارتكب جرائمه، بل أخذ يُردد على سمعه بثبات واتزان الآية القرآنية "إن هي إلا فتنتك".


أبطال روايات نجيب محفوظ دائمًا مميزين، حتى الرجل العادي منهم تجد له سماته المميزة.. بطلنا هُنا مُجرم، لا يبدو على شخصيته الإضطراب أو عدم العقل، إنه مثل الظواهر الكونية التي لا تفهم غايتها، يُثير البلبلة والأحداث لكنه في النهاية لا يرى أن الجريمة ستفيده في شيء.. أصبح مع الوقت لعبة في أيدي الخدع ويمضي كأشباح القبور في الظلام.. إلا اللانهاية..


الثلاثاء، 8 يناير 2013

المرأة في مصر المملوكية



الكتاب: المرأة في مصر المملوكية
المؤلف: أحمد عبد الرازق
الطبعة: الهيئة المصرية العامة للكتاب، 1999
...
عنوان الكتاب خير دليل على موضوعه وعلى والحقبة الزمنية ( المرأة + العصر المملوكي). نُشرت هذه السلسلة قبل هذا الكتاب "المرأة في مصر الفاطيمة".. لست متأكده من وجود سلائل أخرى لهذا الحصر التاريخي أم لا.
الدولة المملوكية استمرت قرابة قرنين ونصف (648- 1250 هـ) حيث انتقل وقتها مقر الخلافة الإسلامية من بغداد إلى القاهرة، لهذا تعتبر فترة مهمة في تاريخ مصر.  البُعد الزمني الكبير يحول دون توافر قدر كبير من الوثائق والمستندات التي تُأرشف لهذه الحقبة، فكما هو واضح من حواشي الكتاب أن أهم المصادر التي اعتمد عليها المؤلف هي مؤلفات "تغري بردي" و "ابن حجر العسقلاني" و"المقريزي" وغيرهم الكثير..
الكتاب مُكون من 6 فصول، يتحدث عن مكانة المرأة في المجتمع، وفي الحياة العامة، والزواج، والأسرة..

في الفصل الأول يعترف المؤلف -صراحةً- أن الشريعة الإسلامية فرقت بين الرجل والمرأة في بعض الحقوق (كالأرث ومسألة الشهادة) إلا إنها أعطتها العدالة الكاملة في حقها في المجتمع الإسلامي بأن صانها وحفظ مكانتها في المجتمع (رغم أنه كان يوجد جواري وهذا أمر مُذل ومهين أن تُباع النساء وتُشترى ويُحسب هذا على أنه عدالة كاملة)..
يتجلى لنا من النظرة الأولى أن المرأة في ذلك العصر تمتعت بقسط كبير من الاحترام والتقدير وأن المماليك كانوا يكنون لزوجاتهم كل الإجلال والمودة.. ويتجلى هذا في كل الهيلامانات التي تحدث لو أن أم السلطان مثلاً ذهبت إلى الحج، أو أن زوجة السلطان مثلاً قررت أن تذهب إلى "بولاق" للفُسحة ومشاهدة النيل.. وأن الجواري كانت مكانتهم محفوظة ولا يتعرضن للأذى.. ولكن في النهاية أم السلطان هي مجرد "أمه" واسمها مُلتصق بلقبه، وزوجة السلطان هي مجرد "زوجته" والجواري مجرد "جواري السلطان".. هذا هو دور المرأة في العصور الوسطى.. أشياء تابعه للسلطان، مجرد "حاجات السلطان".
تمتعت المرأة -كما تشير المصادر التي اعتمد عليها المؤلف- في هذه الحقبة تحديدًا بمزيد من الحريات لم تكن تمارسها من قبل، فمثلاً كانت النساء تشتغلن بالفقه، والحديث، وتحفيظ القرآن، فكان هناك "نِساء فقيهات" وهذه أشياء حديثة العهد على المرأة بالتأكيد، كما انهن كُن يحرصن على الذهاب للمجالس العلمية والذهاب إلى دروس الدين (منفصلات عن الرجال طبعًا كما هو الحال الآن) وكانت هناك أسماء بارزه لهن في هذا المجال -ولكن بالتأكيد المساحة الأكبر كانت أمام الرجال في هذا المجال-.. كما أن بعضهن اتجهن إلى التصوف وارتداء الخرقة وزهد الحياة الدنيا وهو أمر نادر في العصر الحالي على سبيل المثال.
كانت الأسواق مفتوحة أمام النساء، كن يذهبن بحرية كاملة لقضاء حاجتهن، وكن يذهبن للحمامات العامة.. كن يمارسن حياة طبيعية، لكن في حِمى الرجل من أب أو أخ أو زوج.
من ضمن ما ورد في فصول الكتاب أن بيوت الدعارة وممارسة البغاءكانت موجودة بدون أدنى مشاكل، وكانت تُرخص لهن، وكن يدفعن الضرائب، ولم يُحرم الرقص أو الغناء أو ضرب الطبول أو غيره.. وكان يوجد مغنيات معرفات بالاسم يطرب لهن السمع ومشهورات في مجالس الطرب والسمع (الذكورية) فلم يرد مثلاً أن المرأة كانت تخرج إلى مجالس الطرب لسماع الغناء مثلها مثل الرجل، وهذا يُبيِّن بشكل واضح أن المرأة لم تتمتع بكامل حريتها، حتى وإن كانت يُسمح لها بممارسة البغاء  أو الغناء في مجالس لغناء، كأنها سلعة.. وكله بما يعود بالنفع على الرجل ومتعته الشخصية. وبالنظر إلى المساحة المتاحة للمرأة في العمل في (الفقه ودراسة الدين) وبين (ممارسة البغاء علنًا) فإن هذا يعكس التناقض البيِّن في المجتمع في هذا العصر -وإلى وقتنا هذا-.
الفصل الأهم في الكتاب كان الخاص بنفوذ المرأة وتدخلها في أمور الحكم والسلطة، وذُكر هنا أسماء بعينها مثل: شجرة الدر، بركة خان أم السلطان سعيد، خوند أشلون أم السلطان الناصر محمد بن قلاوون.. وغيرهن، فقد قامت الأخيرة مثلاً عام 693هـ بالخروج إلى رجال الدولة ومناقشتهم في أسباب حصارهم في القلعة..
كان نفوذ المرأة في هذه الأمور يُحفذه بالأخص سلطتهم المالية الفائقة وتقديم الرشوى والهدايا القيمة من أجل تنصيب فلان وعزل فلان في مقابل تعيين فلان أخر، وأُخمن في هذا الصدد أن أسباب هذا قد تكون علاقات نسوية أيضًا، بأن تتودد إحدى الأميرات إلى أم السلطان مثلاً من أجل تعيين زوجها أو ابنها في منصب ما.. وفي الأغلب هذه السلطة تكون في يد أم السلطان أكثر من زوجاته (ونستثني هنا شجرة الدر).. وهنا قال ابن تيمية في كتابه مجموع فتاوى "أكثر ما يفسد الملك والدولة طاعة النساء".
ثم يأتي تسليط الضوء على دور المرأة كزوجة في عصر المماليك، بالأحرى هي لم تكن أي شيء سوى زوجة، هي فتاة مطيعة في بيت أبيها، تأتيهم الخاطبة ذات صباح لتُخبرهم أن فلان يريد أن يتزوج ابنتكم، وهنا تعرف الفتاة بالأمر بعد موافقه أبيها ثم موافقه أمها -والتي لا تخالف رأي الأب بالتأكيد- ثم تُصبح الفتاة -بدون إبداء أي رأي من طرفها- زوجة رجل غريب لا تعرف ولم تراه من قبل، لها حقوق وعليها واجبات.. هذه العادة معروفة وهي القشة الحقيقية التي فرضها العُرف -لا الدين- لكي تُضعف وتُقلل من شأن المرأة وحقها البسيط في تقرير مصيرها، لكنها منذ صغرها -بالتأكيد- تُربَّى على أنها خُلقت لتنتظر "الزوج"وأن تكون "زوجته" دون أن يُترك لها حتى مساحة للتفكير في إن كانت ترغب في هذا أم لا.
نقطة مهمة ذكرها المؤلف وهو موقف المرأة من الزواج بعد وفاة زوجها او بعد طلاقها مثلاً، وهو أن المرأة كان يجب عليها أن تتزوج لكي تشعر بالأمان والرعاية، فمن يرعاها لو توفي زوجها؟ من يهتم بأمورها ويُنفق عليها وعلى أبناءها؟.. قليلات -وذُكرن بالاسم- من رفضن الزواج بعد وفاة ازواجهن وكان هذا من باب الاخلاص لأزواجهن، كما انهن كُن سيدات ثريات ولا يحتجن من يُنفق عليهن.
يُلخص هذا بوضوح ضعف المرأة وحاجتها دائمًا إلى رجل، ولا أرى أن هذا يمت للحريات بصلة، فالحرية قوة، والإستكانه ضعف واستعباد.
ثم يتناول المؤلف زينة المرأة وحُليها وذهابها إلى الحمامات العامة وغيرها من الأشياء المُشابهه، وقد أفرد هذا في فصل كامل (كأن هذه هي وظيفة المرأة الوحيدة وشغلها الشاغل الوحيد).
لم يتناول المؤلف مسألة تعليم المرأة، وهل كانت إلزامية أم لا؟ ولم يتناول ما طبيعة الأعمال التي كانت تشغلها النساء؟ وهل كان للمرأة لها دور مُؤثر -بشكل جذري وملحوظ- خارج جدران بيتها؟
الكتاب شيق ولغته سهلة وكان ينقصه فقط بعض النقاط -التي ذكرتها- التي لم يتناولها.. سأُثني على البداية الطيِّبة "لا شك في أن رُقي أي مجتمع من المجتمعات يُقاس دائمًا بمدى تقدير ذلك المجتمع للمرأة.." وأنا أُضيف على ذلك "تقديرًا حقيقيًا ينبع من حاجة أساسية لمشاركة المرأة، وليست مجرد مشاركات صورية لا تنتهي إلى شيء حقيقي وأصيل".

8/1/2013